محمد الغزالي

299

فقه السيرة ( الغزالي )

إنّ الدفاع عن الإسلام ومخافة الفتنة لو انتصر المشركون جعلت الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحابته يعالجون هذا العمل الثقيل ونفوسهم راضية مغتبطة مع ما يلقون فيه من عناء وصعوبة . ولا تحسبنّ عمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تعميق الخندق وقذف أتربته من قبيل التمثيل الذي يحسنه بعض الزعماء في عصرنا ، كلا ، كلا . إنّ الرجولة الكادحة الجادّة في أنبل صورها كانت تقتبس من مسلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم في هذه المعركة . يقول البراء : لقد وارى عني التراب جلدة بطنه ، وكان كثير الشعر « 1 » . أجل إنه استغرق في العمل مع أصحابه ؛ فالرجولة الصادقة لا تعرف التمثيل . وكان الفصل شتاء ، والجوّ باردا ، وهناك أزمة في الأقوات تعانيها المدينة التي توشك أن تتعرّض لحصار عنيف ، وليس هناك أقتل لروح المقاومة من اليأس ، فلو تعرّض المحصور لسوراته المقبضة فمزالق الاستسلام الذليل أمامه تنجرّ به إلى الحضيض ، لذلك اجتهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في تدعيم القوى المعنوية لرجاله ، حتى يوقنوا بأنّ الضائقة التي تواجههم سحابة صيف عن قليل تقشع . ثم يستأنف الإسلام مسيره بعد ، فيدخل الناس فيه أفواجا ، وتندكّ أمامه معاقل الظلم ، فلا يصدر عنها كيد ولا تخشى منها فتنة . ومن إحكام السياسة أن يقارن هذا الأمل الواسع مراحل الجهد المضني . قال عمرو بن عوف : كنت أنا ، وسلمان ، وحذيفة ، والنعمان بن مقرّن ، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا - من الأرض التي كلّفوا بحفرها - فحفرنا حتى وصلنا إلى صخرة بيضاء كسرت حديدنا ، وشقّت علينا ، فذهب سلمان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبره عن هذه الصخرة التي اعترضت عملهم ، وأعجزت معاولهم . فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ من سلمان المعول ، ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها ، وتطاير منها شرر أضاء خلل هذا الجو الداكن ، وكبّر رسول اللّه عليه الصلاة والسلام تكبير فتح ، وكبّر المسلمون . ثم ضربها الثانية فكذلك ، ثم الثالثة فكذلك .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 322 .